بذور الهجاء

شعر : صلاح الخدَّاش

*************

وقفتُ أمامَ جدارٍ مُثقَّبْ

وعيني تتابعُ سيرَ النُّجومْ

بضوءٍ تسلَّل خلفَ الغيومْ

سألتُ عيوني سؤالاً مجرَّبْ

ألستُ أنا مثلَ غيري

إذا جئتُ خلفَ الزُّجاجْ؟

صمتُّ وعقلي يُسائل صبري

**********

هناكَ دفاترُ صارتْ تُقلَّبْ

وجيء بها لي وعينٌ تحومْ

تبادرُني أيْ تعالَ هناكْ

فأيقنتُ أنَّ النُّجومَ تعالتْ

تصبُّ على النَّار زيتًا

فتحرقُ عيني بجرحِ القريبْ

عجبتُ ، نزلتُ ، فتهوي النُّجومْ

فقيلَ بكَ اليومَ غيرُ مرحَّبْ

فعدتُّ بحالٍ وحالي تُعذَّبْ

فأحملُ أمتعتي فوق جرحي

يرافقني حارسٌ كي أعودْ

إلى حيثُ جئتُ وراءَ الحدودْ

****************

فلسطينُ تبكي بغير دموعْ

بقلبٍ تفطَّرَ نحوَ الرُّجوعْ

ثلوجُ النَّهارِ بشمسٍ تذوبْ

لأروي لها ما جرى من خطوبْ

سأهجرُ بعضَ حروفِ الظَّلامْْ

وأخبرُها عن رحيلي

 بدون كلامْ

فكمْ من سنينَ طوالٍ عجافْ

جثا حرف سينٍ وميمٍ ولامْ

على صدرِِ حرٍّ فداسَ وطافْ

وواوٍ وصادٍ وباءْ

وعينٍ وكافٍ وراءْ

ونونٍ ودالٍ وياءْ

حصارٌ حصارٌ حصارْ

وخنقٌ وقهرٌ دمارْ

*************

يموتُ النَّهارُ بليلِ السُّجونْ

وسجَّانُ صوتي جبانٌ خؤونْ

شعارُ الجبانِ كصوفِ الخِرافْْ

يزولُ إذا زالَ فصلُ الشِّتاءْ

وحرفُ الجبانِ كحرفِ الرَّصاصْ

يموتُ بقطرة ماءْ

شتاتي مليءٌ بلدغِِ الصِّحابْ

أفاعي بثوبٍ مرقَّطْ

تطلُّ برأسٍ على كلِّ بابْ

لسانُّ السُّمومِ دوامًا مدبَّبْ

فريسته نحنُ في كلِّ وادْ

وليسَ لها عمرٌ أو زيادْ

تبيتُ مرارًا على لحنِ نايْ

فتكتبُ من نزفِ جرحٍي قصيدةْ

ويعزفُ راعٍ صباحَ مساءْ

فيحكي حكايةَ أرضٍ بعيدةْ

فتدمعُ عينٌ بقطرِ السَّماءْ

بلادي: نزيف الجراح يزيدْ

ولا بلسمٌ أو دواءْ

ومن يعربيٍّ قصيدُ الرِّثاءْ

على كلِّ بحرٍ بسيطٍ ووافرْ

طويلٍ سريعٍ خفيفٍ وكاملْ

قصائدُ جرحي بذور الهجاءْ

وأوتارُ صوتي تهزُّ الفضاءْ

ويا قاتلي لن تعيشَ طويلاً

مصيرك نحو الفناءْ

ويا خانقي عشتَ كلبًا عميلا

وتنهشُ لحمي صباحَ مساءْ

وأنتَ مصيرك مزبلةُ الشَّقاءْ

وبرجكُ يهوي فلا من بقاءْ

وبرجك يهوي فلا من بقاء.